الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
31
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وسوء الوجوه : جعل المساءة عليها ، أي تسليط أسباب المساءة والكآبة عليكم حتى تبدو على وجوهكم لأن ما يخالج الإنسان من غم وحزن ، أو فرح ومسرة يظهر أثره على الوجه دون غيره من الجسد ، كقول الأعشى : وأقدم إذا ما أعين الناس تفرق أراد إذا ما تفرق الناس وتظهر علامات الفرق في أعينهم . ودخول المسجد دخول غزو بقرينة التشبيه في قوله : كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ المراد منه قوله : فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ [ الإسراء : 5 ] . والتتبير : الإهلاك والإفساد . و ما عَلَوْا موصول هو مفعول « يتبروا » ، وعائد الصلة محذوف لأنه متصل منصوب ، والتقدير : ما علوه ، والعلو علو مجازي وهو الاستيلاء والغلب . ولم يعدهم اللّه في هذه المرة إلا بتوقع الرحمة دون رد الكرة ، فكان إيماء إلى أنهم لا ملك لهم بعد هذه المرة . وبهذا تبين أن المشار إليه بهذه المرة الآخرة هو ما اقترفه اليهود من المفاسد والتمرد وقتل الأنبياء والصالحين والاعتداء على عيسى وأتباعه ، وقد أنذرهم النبي ملّاخي في الإصحاحين الثالث والرابع من كتابه وأنذرهم زكرياء ويحيى وعيسى « 1 » فلم يرعووا فضربهم اللّه الضربة القاضية بيد الرومان . وبيان ذلك : أن اليهود بعد أن عادوا إلى أورشليم وجددوا ملكهم ومسجدهم في زمن ( داريوس ) وأطلق لهم التصرف في بلادهم التي غلبهم عليها البابليون وكانوا تحت نفوذ مملكة فارس ، فمكثوا على ذلك مائتي سنة من سنة 530 إلى سنة 330 قبل المسيح ، ثم أخذ ملكهم في الانحلال بهجوم البطالسة ملوك مصر على أورشليم فصاروا تحت سلطانهم إلى سنة 166 قبل المسيح إذ قام قائد من إسرائيل اسمه ( ميثيا ) وكان من اللاويين فانتصر لليهود وتولى الأمر عليهم وتسلسل الملك بعده في أبنائه في زمن مليء بالفتن إلى سنة أربعين قبل المسيح . دخلت المملكة تحت نفوذ الرومانيين ، وأقاموا عليها أمراء من اليهود كان أشهرهم ( هيرودس ) ثم تمردوا للخروج على الرومانيين ، فأرسل فيصر رومية القائد ( سيسيانوس ) مع ابنه القائد ( طيطوس ) بالجيوش في حدود سنة أربعين بعد المسيح
--> ( 1 ) انظر الإصحاح الثالث من إنجيل مرقس الحوارى .